شرفة

صفحة “المنسّق”… الاستعمار حين يبدو وسيمًا

كتبت د.مليحة مسلماني: يعتمد المشروع الصهيونيّ برمّته، ومنذ نشوء الفكر والحركة الصهيونيَّيْن، على أداة رئيسيّة مهمّة في الترويج على نطاق عالميّ، لأهدافه الإحلاليّة والتوسّعيّة، ولصناعة صورة إسرائيل “الحضاريّة” و”الديمقراطيّة” و”المتطوّرة”، و”اليهوديّ الضحيّة”، مقابل صورة الفلسطينيّ “المتخلّف والإرهابيّ”. وبعد تطوّر وسائل التواصل والاتّصال، ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعيّ، سرعان ما استغلّت دولة الاحتلال الفرصة، لتخترق سلطاتها هذه المواقع بصفحات تخاطب جماهير مختلفة وبلغات مختلفة. ومن بين هذه الصفحات ما يخاطب الجماهير العربيّة والفلسطينيّة، وما يستهدف بالدرجة الأولى وعيها.

يأخذ هذا المقال من صفحة “المنسّق” نموذجًا لتحليل مضمون الصفحات التابعة لسلطات الاحتلال، ودلالاتها ورسائلها على فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعيّ الأخرى؛ فرغم اشتراك صفحات “المنسّق” و”إسرائيل تتكلّم بالعربيّة” و”أفيخاي أدرعي” بالعديد من الأهداف، وأبرزها اختراق الوعي الفلسطينيّ، والعربيّ عامّة، للقبول بإسرائيل “دولةً طبيعيّةً” لا استعماريّة في المنطقة، إلّا أنّ لكلٍّ من تلك الصفحات دورًا وهدفًا رئيسيَّين يميّزانها، وتحليل مضامين هذه الصفحات والمقارنة بينها يحتاج إلى بحث واسع، ما لا تسعه مساحة هذا المقال، أو إلى سلسلة مقالات تتناول كلًّا منها على حدة.

مهمّة عسكريّة بقالب مدنيّ خدماتيّ

كما تعرّف نفسها على فيسبوك، تتبع صفحة “المنسّق” ما تسمّيه “وحدة تنسيق أعمال الحكومة”، وهي الهيئة المكلّفة بتطبيق سياسات حكومة الاحتلال في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. تتبع الوحدة وزير الدفاع الإسرائيليّ، وهي عضو في هيئة أركان الجيش الإسرائيليّ، وتتألّف من: قيادة تنسيق نشاطات الحكومة في المناطق، والإدارة المدنيّة في الضفّة الغربيّة، ومديريّة التنسيق والارتباط في غزّة، ومدرسة التنسيق والارتباط[1].

أمّا هدف “وحدة التنسيق” هذه – كما هو مذكور في صفحتها على فيسبوك – فهو “التنسيق والتعاون ومتابعة الإجراءات الخدماتيّة والمدنيّة الّتي تُقَدَّم للمواطن الفلسطينيّ، ودعم التعاون عبر توظيف معلومات تؤول إلى الدمج بين الجودة البشريّة والتقدّم التقنيّ، إضافة إلى تنسيق أنشطة الوزارات، وجيش الدفاع، وقوّات الأمن، ذات الارتباط المباشر بالفلسطينيّين في يهودا والسامرة وقطاع غزّة”، ومهمّة الوحدة هي: “تطبيق سياسة حكومة إسرائيل وتعزيزها في كلّ المجالات المدنيّة”، ومن خلال المهامّ الّتي تذكرها في خانة التعريف على صفحتها، تروّج “وحدة التنسيق” نفسها “مؤسّسة” تنسيقيّة خدماتيّة تنمويّة شاملة، بل أيضًا إنسانيّة إغاثيّة[2].

“وحدة التنسيق” في الحقيقة، وكما هو حاصل على أرض الواقع في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، عبارة عن سلطة ذات مكانة رئيسيّة في المنظومة الاستعماريّة الإسرائيليّة، تؤدّي دورًا يخدم أهداف الاحتلال التوسّعيّة، وسياساته في التمييز وترسيخ نظام فصل عنصريّ في فلسطين، وهي تدير وتعزّز سيطرته على الشعب الفلسطينيّ وأراضيه. إنّها على الحقيقة “وحدة تحكّم وسيطرة”، وأداة مباشرة لفرض حكم عسكريّ على الفلسطينيّين؛ إذ تتحكّم بحرّيّتهم في الحركة وبأراضيهم وبثرواتهم المائيّة والزراعيّة والصناعيّة والحيوانيّة. أمّا ما تروّجه الصفحة من اهتمام بالبنى التحتيّة وبالمجالات الصحّيّة والإنسانيّة وغيرها، فهو محض ادّعاء يستند إليه الاحتلال، لتغليف حقيقته الاستعماريّة بطابع تنمويّ خدماتيّ إنسانيّ.

في ظلّ صفقة القرن المنحازة تمامًا إلى المشروع الصهيونيّ، وإعلان قرار الضمّ الأخير، الّذي ينهي حلّ الدولتين، وينفي حقّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة، ويؤسّس حسب ما يرى محلّلون وباحثون، لنظام فصل عنصريّ على الأرض، في ظلّ هذه المعطيات، تبرز صفحة “المنسّق” بصفتها واجهة لأداة رئيسيّة في ترسيخ حكم عسكريّ؛ يهدف إلى التحكّم في مختلف مجالات حياة الشعب الفلسطينيّ، ويسيطر على أراضيه وثرواته الطبيعيّة.

الآتي أهمّ المحاور الّتي تركّز عليها صفحة “المنسّق”، في منشوراتها ودلالاتها في اختراق الوعي الفلسطينيّ والعربيّ، وفي إنتاج صورة “إيجابيّة وجذّابة” عن دولة الاحتلال منافية لحقيقتها الاستعماريّة.

أوّلًا- البريق التكنولوجيّ غلافًا للسيطرة العسكريّة

تركّز الصفحة بشكل كبير على قدرات دولة الاحتلال التكنولوجيّة، خاصّة في مجال إصدار التصاريح للفلسطينيّين؛ على سبيل المثال، تُدْرَج في فيديو يعمل كغلاف للصفحة مَشاهِد لأجهزة إلكترونيّة متطوّرة موضوعة على الحواجز العسكريّة، كالأجهزة الّتي تعمل ببصمة الإصبع، وأجهزة فحص البطاقات والتصاريح الممغنطة، وشاشات تعرُّف الوجه، وغيرها[3].

وتحتفي صفحة “المنسّق” حديثًا بما سمّته “تحسينًا في تقديم الخدمات”، بالانتقال إلى الخدمة الرقميّة، وعدم الحاجة إلى طباعة التصاريح؛ إذ تعلن أنّه بإمكان الفلسطينيّين تقديم الطلبات للحصول على التصاريح بشكل محوسَب، وأنّه سيُوافَق على الطلبات من خلال برنامج محوسَب، وستكون التصاريح ومعرفة التفاصيل عن طريق “تطبيق المنسّق”[4] في القرن الحادي والعشرين، لم يعد التطوّر التكنولوجيّ أمرًا غريبًا أو مثيرًا للدهشة؛ إذ إنّ كثيرًا من الحكومات أصبحت تلجأ إليه في ما يُعرف بـ “الحكومة الذكيّة”، لتسهيل أعمال خدماتها المقدّمة إلى المواطنين وتسييرها. غير أنّه يكون هنا توظيفه لترسيخ صورة “حضاريّة متطوّرة” عن إسرائيل، الّتي تقدّم خدماتها لـ “جماعة من المتخلّفين”، الفلسطينيّين والعرب، المتردّية أوضاع بلادهم. وهؤلاء مطلوب منهم الانبهار بهذه التحسينات التكنولوجيّة، وهي ليست في النهاية إلّا أداة تستثمرها حكومة الاحتلال لتسهيل التحكّم والسيطرة، ولتعزيز عنصر أساسيّ في هويّة وجودها؛ وهو “المطلب الأمنيّ”.

التكنولوجيا والتطوّر يعملان هنا كغلاف برّاق يخفي تحته واقعًا استعماريًّا محقّقًا في فلسطين؛ إذ تُحَوِّل الصفحة عمليّة إصدار التصاريح، وهي عمليّة أمنيّة عسكريّة، إلى مجرّد “خدمة”، بل هي “خدمة متطوّرة”، “سهلة ومريحة”، تُقَدَّم لـ “المواطن الفلسطينيّ”، كما تسمّيه، هذا المواطن الّذي لا تعترف دولة الاحتلال أصلًا بمواطنته، ولا بحقّه في تقرير مصيره على أرضه وإقامة دولته؛ فمن المعروف أنّ دخول الفلسطينيّين إلى القدس والأراضي المحتلّة عام 1948 (داخل الخطّ الأخضر)، من أجل العمل، أو العلاج، أو زيارة الأقارب، أو الصلاة في المسجد الأقصى، وفي بقيّة المقدّسات في تلك المناطق، يتطلّب موافقة أمنيّة إسرائيليّة. والحصول على تصريح عمليّة صعبة ومعقّدة، بل مستحيلة في كثير من الحالات، وأنتجت في الوعي الجمعيّ الفلسطينيّ، وعلى مدار عقود من تطبيقها، ذاكرةً ثقيلة ترتبط صورها بمشاعر الحصار والقهر والذلّ والألم.

ثمّ إنّ كثيرًا من الفلسطينيّين، ومن بينهم حالات إنسانيّة، كالمرضى المحتاجين إلى علاج، يُرْفَض طلب حصولهم على تصاريح بحجّة “المنع الأمنيّ”. إضافة إلى السياسات القمعيّة الّتي تتمثّل في الاعتقال والضرب والإذلال والقتل أيضًا، الّتي تُمارَس ضدّ فلسطينيّين يحاولون دخول القدس أو الأراضي المحتلّة عام 1948، دون أن يكون بحوزتهم تصاريح، إضافة إلى مَنْ أُصيبوا أو ارتقوا شهداء في أثناء ملاحقة الاحتلال لهم، أو في أثناء محاولاتهم تسلّق جدار الفصل العنصريّ. والغالبيّة العظمى ممّن تعرضوا لهذه الممارسات القمعيّة، فلسطينيّون أرادوا مجرّد البحث عن عمل، أو الصلاة في المسجد الأقصى… إلخ.

ثانيًا- “الرفع الأمنيّ” مقابل “الهدوء”

رغم محاولات صفحة “المنسّق” ترويج صورة “حضاريّة إنسانيّة ديمقراطيّة” عن دولة الاحتلال، إلّا أنّها لا تخفي رسائل تهديد واضحة موجّهة إلى الفلسطينيّين، مفادها أنّ إمكانيّة حصولهم على التصاريح ترتبط وبشكل مباشر بتوقّفهم عن التصعيد والمقاومة الشعبيّة. على سبيل المثال، جاء في أحد المنشورات الأخيرة على الصفحة: “نعلمكم أنّه … سنستقبل سكّان مخيّم جنين فقط في ‘مكتب التنسيق والارتباط‘ في جنين، لفحص إمكانيّة رفع المنع الأمنيّ عنهم، علمًا أنّ قرار إجراء الحملة جاء بفضل الهدوء الأمنيّ النسبيّ في المنطقة خلال الآونة الأخيرة، على أمل أن تبقى هذه الظروف على حالها …”، أُرْفِقَ مع المنشور صورة لشبّان فلسطينيّين، يقفون في “حالة من البهجة”، مقابل ضابط إسرائيليّ[5].

لمطلوب من الفلسطينيّين عبر هذه المنشورات، الّتي تأتي في سياق استعماريّ تعدّدت أدوات سيطرته، أن يتخلّوا عن رؤيتهم للوجود والتحكّم الإسرائيليَّيْن على أراضيهم على أنّه احتلال، وعن حقّهم في السيادة على أرضهم وتقرير مصيرهم، وأن يرضخوا للتطلّعات الإسرائيليّة في الضمّ والتوسّع والسيطرة، وأن ينسوا تاريخًا طويلًا، من القمع والتهجير والحصار والقتل والاعتقال والإذلال. كلّ ذلك شروط تُفْرَض عليهم مقابل حصولهم على حقوق بديهيّة، وهي الحقّ في الحركة والعمل والعلاج، وبمعنًى آخر، تمزيق الفلسطينيّين للصورة الّتي يحتفظون بها في وعيهم الجمعيّ عن إسرائيل، بصفتها دولة استعماريّة تجب مقاومتها، واستبدال صورة أخرى بها، مستسلمة للواقع المفروض بالقوّة ومتصالحة معه، ذلك يكون مقابل حصولهم على حقّهم في الوجود والحياة.

ثالثًا- ادّعاء التطوير في البنية التحتيّة  

تروّج صفحة “المنسّق” صورة لدولة الاحتلال، تهتمّ بتطوير البنى التحتيّة في الضفّة الغربيّة، في مجالَي الصناعة والزراعة، إضافة إلى الاهتمام بالثروة الحيوانيّة والطبيعيّة وبالبيئة والغابات. على سبيل المثال، تدّعي الصفحة – من خلال تقرير مصوّر – أنّها تهتمّ بتطوير محطّات المياه، وبتوفير المياه إلى جميع الفلسطينيّين: “إِحْنا هونْ عِنّا دورْ مهمّ جدًّا، نِتْأَكّد إِنُّه كُلّْ بيتْ في النهاية، مِشْ مهمّ وينْ يكونْ، يُوْصَلُه المياه”، يقول في التقرير ملازم أوّل هيثم بركات، من “مكتب التنسيق والارتباط في بيت لحم”[6]. وهذه ادّعاءات منافية تمامًا لما يحصل على أرض الواقع، من أزمة حقيقيّة تواجه الفلسطينيّين في موضوع المياه، وتؤكّدها دراسات عديدة. هذه الأزمة سببها الرئيسيّ سياسات سلطات الاحتلال، الّتي تتمثّل في تحقيق السيطرة وتأمينها على مصادر المياه السطحيّة والجوفيّة لحوض نهر الأردنّ والضفّة الغربيّة[7].

دراسات عديدة تؤكّد أنّ الاحتلال تبنّى سياسة تدمير، ضدّ البنى التحتيّة الّتي تخدم مصالح الفلسطينيّين، وذلك منذ احتلاله للأراضي الفلسطينيّة عام 1948، ثمّ 1967، حتّى اليوم. هذه السياسة تتمثّل في إضعاف قدرة البنى التحتيّة الفلسطينيّة على توفير متطلّبات العيش الكريم، والقائمة بدورها على حرّيّة الحركة والتواصل بين المناطق الفلسطينيّة، وعلى مستوى الخدمات المقدّمة للمواطن الفلسطينيّ[8].

رابعًا- “مجتمع التنوّع الثقافيّ المتناغِم”

تركّز صفحة “المنسّق” على إنتاج صورة، تعكس وجود “مجتمع متنوّع الثقافات والأديان والطوائف” في فلسطين، حيث يتعايش هذا المجتمع في “تناغم وسلام”، وتُعامله الحكومة بمساواة لا تميّز فيها بين يهوديّ ومسلم ومسيحيّ ودرزيّ وغيرهم، ويكون ذلك عبر التركيز على نشر صور، تجمع بين إسرائيليّين وفلسطينيّين يبدون في حالة من “السلام” و”البهجة”، ومن خلال لقاءات مع فلسطينيّين، يتحدّثون بصورة عاديّة تبدو “متصالحة” مع الضبّاط والموظّفين في “وحدة التنسيق” وغيرهم من الإسرائيليّين. إضافة إلى تركيز الصفحة على “الاحتفاء” بالمناسبات الدينيّة المختلفة، اليهوديّة والإسلاميّة والمسيحيّة، وهي تركّز وبشكل أسبوعيّ تقريبًا، على “مباركة” يوم الجمعة الّذي يحتفي به المسلمون.

صورة “المجتمع المتناغم مع تنوّعه الدينيّ والثقافيّ” هي البديل المراد إنتاجه، في الخيال الجمعيّ العربيّ والفلسطينيّ والعالميّ، لصورة أخرى معارضة تمامًا لها، وتعكس واقعًا ضدّيًّا على الأرض؛ يتمثّل هذا الواقع في المساعي الإسرائيليّة الحثيثة، نحو فرض مشروع “دولة يهوديّة القوميّة” في فلسطين، وفي المبدأ الإحلاليّ القائم على الضمّ والتوسّع الاستيطانيّ، وفي تضييق الحصار وسبل العيش على الفلسطينيّين لتهجيرهم أو لدفعهم إلى الهجرات الداخليّة والخارجيّة. يتمثّل هذا الواقع أيضًا في سياسات القمع والتمييز ضدّ الفلسطينيّين في كلّ فلسطين التاريخيّة، وفي مختلف المجالات والخدمات، مقابل السعي الحثيث لتحقيق الرفاه للإسرائيليّين.

ما سبق ذكره بعض المحاور الرئيسيّة الّتي تركّز عليها صفحة “المنسّق” لا كلّها، ولعلّ هذا المقال يكون مقدّمة للبدء في تحليل موسّع لمحاور ومضامين الصفحات الإسرائيليّة، على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وبيان مدى تأثيرها في الوعي الجمعيّ الفلسطينيّ والعربيّ.

أخيرًا، ثمّة مسألة شديدة الأهمّيّة يجب أن تُطْرَح للنقاش والتحليل، وهي مسألة تفاعل بعض الفلسطينيّين والعرب مع هذه الصفحات، من حيث أسباب هذا التفاعل وأشكاله، ومدى تأثيره – على المدى الطويل – في تغيير الرؤية والوعي الجمعيّ حول الصراع في فلسطين، باعتباره – وبشكل أساسيّ – احتلالًا عسكريًّا لأرض شعب ومقدّراته، مجرّد تقريبًا من جميع أدوات الدفاع والمواجهة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى