شرفة

الكورونا كاشفة العورات

كتب جبريل جحشان: غمرت الرأسمالية في طبعتها ما بعد الامبريالية، واعلان دينها المعولم الجديد (النيوليبرالية) اسماع وانظار وعقول البشرية حول انجازاتها العلمية المتطورة والذكية والدقيقة، وعممت مفهوم ان العالم بات قرية صغيرة تعبيرا عن تطور قطاع الاتصالات، وان زيادة العرض ورخص الاسعار لتصبح كثير من السلع الاستهلاكية في متناول يد الفقراء ومتوسطي الدخل، قد هدم كل مقولات الاشتراكية حول فائض القيمة وحتى ما ابدعه سمير امين حول فائض القيمة المعولم، ورغم ان هذه النيوليبرالية قد اعلنت بافتخار تجاوزها لازمة عام 2008، الا ان الكورونا جاءت لتفضح عورتها وتكشف عجزها، ليس لانها لا تمتلك العلم، بل لانها حولت العلم من قيمة انسانية الى سلعة وحصرته في خانة (العلم الذي يؤدي الى تعظيم الارباح)، وعليه تحول الطب من طب وقائي وعلاجي الى طب تجميلي في الوجه والارداف والاسنان، وتحولت الحقوق من حقوق طبقات الى حقوق مجموعات بشرية هامشية كالمثليين وغيرهم، وبات على العالم ان يتقبل لغة التنمية البشرية، وان ينصاع لمفاهيم الانجاز الفردي، وان يحور كل مفاهيمه لتستوعب مصطلحات جديدة عن الحوكمة وتنمية القدرات والنظر بعين العطف الى من سمتهم (المهمشون) دون ان تقول من الذي همشهم، لتتكون بذلك ايدولوجيا من نوع خاص تجتذب اصحاب الخلاص الفردي، كما تخضع في نفس الان نخبا واسعة من المثقفين لمصطلحاتها ومفاهيمها، انها عملية متكاملة جردت الدولة من اي دور اجتماعي اقتصادي وسلعت كل شيء حتى الماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه.

لقد ازاحت النيوليبرالية دولة الرفاه والرعاية، واحلت محلها الدولة الشرطي، افرغت النقابات من محتواها واحلت مكانها منظمات الانجزة، اصبحج التعليم سلعة واصبحت الطبابة سلعة، وبات على الدولة ان ترعى مصالح من يقومون بتوفير هذه السلعة، تحمدهم وتشكرهم فيما اختصرت الديمقراطية بمفهووم الحريات الفردية البائس والاستغلال بمفهوم الفساد لتكون لدينا ايدولوجيا متكاملة ولديها الاستعداد باسم الحرية ان تبرر كل الاصوليات المناظرة لها كاصولية مستحدثة.

وتأتي ازمة الكورونا لتتعامل معها الحكومات التي تتبنى النيوليبرالية قلبا وقالبا باستهتار واستخفاف، ليس ناتجا عن عدم مسؤولية وانما ناتج عن وعي جديد سلم دور الدولة للاحتكارات لتنهار منظومة الدولة الصحية والاجتماعية امام هذه الكارثة الداهمة، هذا لم يكن في ايطاليا وحدها بل في باريس ولندن (التاتشرية) ونيويورك وبرلين التي هدمت جدارها يوما وما عرفت ان هدم الجدار لن يفضي الى الرخاء المزعوم.

في الدول التي لا زال دور الدولة فيها حاضرا في المجال الاقتصادي الاجتماعي حتى لو كانت رأسمالية دولة، نجد قدرة عالية على مقاومة الاخطار الداهمة، كما نجد نظاما ما يمكن ان يفرض، لان رأسمالية الدولة تفترض نظاما يمكن ان يسير المجتمع وان يجعله منضبطا للاهداف العامة وهذا ما حصل في الصين وفي غيرها من البلدان التي حصرت انتشار هذا الفيروس اللعين.

ان منظمة الصحة العالمية هنا ليست سوى اداة في يد الفكر النيوليبرالي المعولم، وهي بالتالي لن تخرج عن اطار رسمته لها القوة الاعظم في العالم حتى الان وعليه فهي تقف الان عاجزة عن التصدي لهذا الوباء، كما انها باتت تصدر الخوف اكثر مما تنشر الطمأنينة.

سيستخلص الناس الدروس من تجربتهم وسينشأ وعي جمعي جديد، هذا الوعي سيكون نتاج الخوف ونتاج عجز المنظومات القائمة وهوبالتالي سيكون وعيا انتقاميا من كل مظاهر ايدولوجيا ما بعد الامبريالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى