مرأة

إسراء التي تُلملم شتات عمرها المتبقِ ليكبُر المعتصم

لم تكن تعلم إسراء جعابيص أن حياتها ستتوقف بهذا الشكل، ولم تكن تنتظر أنها ستتخذ لقب الأسيرة قبل اسمها ولقب الجريحة بُعيده، وأنها ستكون نموذجاً حياً وشاهداً على تبجح سلطات الاحتلال وقمعه.

إسراء سيدة الجمال تميزت بأنها الأم الحنون لإخوتها، وصاحبة الوجه البشوش والقلب الطيب، لم تؤذِ أحداً، كانت تُحاول لملمة شتات عمرها المُتبقي لتكون سماء ولدها الوحيد المعطاءة، والأرض الخصبة التي يدوس عليها وينمو من خبطاته الأمل والحُب

يكاد صوت شقيقتها –المنبعث عبر الهاتف- يطفو بحبه على بحر المرض والشقاء الذي تغرق به إسراء يوماً بعد يوم. مُنى وعائلة جعابيص ينتظرون أحداً يتبنى قضية إسراء ولو بشق دواء، أو بشق إجراء رحيم يشفِ جُعبة عائلتها المكلومة و ابنها مُعتصم، الذي اسمته معتصماً ليحمل من اسمه معنىً قلباً وقالباً، فلم يدرِ أنها ستغادره وسيكون هو المعتمد الأول والأخير على نفسه.

ولدت جعابيص 22/7/1984 في القدس، نشأت في مدينة العقبة ودرست الصف الأول في مدارسها، عاشت مع أهلها في أريحا ومن ثم استقروا في جبل المكبر،  درست بالكُلية الأهلية تخصص التربية الخاصة، كونها مُرهفة الإحساس، عاطفية جداً الأمر الذي ساعدها لتعمل في مركز لواء للمسنين.

قصة الاعتقال

بتاريخ 11/10/2015 في الوقت الذي بات قريباً من ظعنها بيتاً جديداً نظراً لالتحاقها بعمل في مدينة أريحا، كانت تقل مقتنيات بيتها الجديد في سيارتها الخاصة، من ضمن تلك الأغراض أنبوبة غاز وجهاز تلفاز، وكأي سائق تقود وهي مُشعلة للموسيقى ومُشغلة  لمكيف السيارة، كانت قريبة من مُغتصبة “معاليه أدوميم” انفجر بالون السيارة لكن الاحتلال اتهمها بأنها فجرت أنبوبة الغاز ونفذت عملية بطولية، احترقت السيارة بها، واشتعل لهيب النيران بجسد إسراء، التهمت النيران حوالي 60% من جسدها فتحول من شموع تُنير الحياة إلى شموع صلاة تُؤدى عليها طقوساً تطلب الشفاء العاجل لها. و حُكم عليها 11 عاماً أمضت منهم 4 أعوام من الأسى والمناجاة .

العلاج

طوال الوقت لم تتوقف منى من الحديث عن تألم إسراء وأنين قيدها، فلم يكفِها أنين القيد المُتربص على أناملها الناعمة التي تحولت إلى أوراق شفافة مُتحولة بعدما كانت ترسم الابتسامة على وجوه الناس إلى أيدٍ لتصبح كاتبة على جرائم الاحتلال العنجهية التي لم تعرف معانِ الحُب والسلام سوى بالكلام .

إحدى رسائل إسراء إلى منى تمثلت في “بالنسبة للعملية أخذوني لمشفى هداسا عين كارم وكنت أعتقد أن العملية لفصل الأصابع إلا أنهم أجروا لي عملية بالعين من أجل رفع الجفن السفلي، وكذلك عملية تحت الإبط لأتمكن من تحريك يدي، وقالوا إن هذه العمليات أهم حاليا، وطبعا أتمنى أن يتابعوا علاجي ويتم إجراء باقي العمليات لي، وهي:

“فصل الأصابع، تركيب أطراف، عمليات في الأنف، علاج التشويه الخارجي، علاج الاسنان، عمليات في الفم ”

إسراء بحاجة لعمليات كُثر، بحاجة لأدوية، لرعاية خاصة، بحاجة لعلاج نفسي، لعمليات حيوية وظيفية، إسراء بحاجة لحياة داخل الحياة، لا حياة محروقة داخل المُعتقل. هي الآن ضحية أطباء تحولوا إلى جلادين، نسوا قسمَهم وخانوا عهدهم إذ صاروا جزءاً لا يتجزأ من منظومة سلطات الاحتلال المُشرعة لإعدام الأسرى.

وتبقى إسراء واحدة من بين المئات من الأسرى والأسيرات، فكم إسراء جعابيص في الأسر؟ وكم من حدود خُلقت بيننا ونحن أبناء البلد الواحد؟ وكم من بيوت مُنعنا من زيارتها على خلفية الهوية الزرقاء والخضراء؟ وكم من أصوات في الأسر وفي الوطن  تنتظر معانقة فجر الحرية…

اعداد سماح اليونس

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى